محمد بن جرير الطبري
46
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وموعد فرعون قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً سحرنا قبلك إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ موسى . قالَ فرعون لهم نَعَمْ لكم الأجر على ذلك وإنكم لمن المقربين منا . فقالوا عند ذلك لموسى : إما أن تلقى ، وإما أن نكون نحن الملقين ، وترك ذكر قيلهم ذلك لدلالة خبر الله عنهم أنهم قال لهم موسى : ألقوا ما أنتم ملقون ، على أن ذلك معناه ف قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ من حبالكم وعصيكم . فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ من أيديهم وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ يقول : أقسموا بقوة فرعون وشدة سلطانه ، ومنعة مملكته إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ موسى . القول في تأويل قوله تعالى : فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ . . . فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ . . . لَكَبِيرُكُمُ يقول تعالى ذكره : فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ حين ألقت السحرة حبالهم وعصيهم . فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ يقول : فإذا عصا موسى تزدرد ما يأتون به من الفرية والسحر الذي لا حقيقة له ، وإنما هو مخاييل وخدعة . فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ يقول : فلما تبين السحرة أن الذي جاءهم به موسى حق لا سحر ، وأنه مما لا يقدر عليه غير الله الذي فطر السماوات والأرض من غير أصل ، خروا لوجوههم سجدا لله ، مذعنين له بالطاعة ، مقرين لموسى بالذي أتاهم به من عند الله أنه هو الحق ، وأن ما كانوا يعملونه من السحر باطل ، قائلين : آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ الذي دعانا موسى إلى عبادته دون فرعون وملئه . رَبِّ مُوسى وَهارُونَ قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ يقول جل ثناؤه : قال فرعون للذين كانوا سحرته فآمنوا : آمنتم لموسى بأن ما جاء به حق قبل أن آذن لكم في الإيمان به . إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ يقول : إن موسى لرئيسكم في السحر ، وهو الذي علمكموه ، ولذلك آمنتم به . فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عند عقابي إياكم وبال ما فعلتم ، وخطأ ما صنعتم من الإيمان به . القول في تأويل قوله تعالى : لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ يقول لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مخالفا في قطع ذلك منكم بين قطع الأيدي والأرجل ، وذلك أن أقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ، ثم اليد اليسرى والرجل اليمنى ، ونحو ذلك من قطع اليد من جانب ، ثم الرجل من الجانب الآخر ، وذلك هو القطع من خلاف وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ فوكد ذلك بأجمعين إعلاما منه أنه غير مستبق منهم أحدا . قالُوا لا ضَيْرَ يقول تعالى ذكره : قالت السحرة : لا ضير علينا ؛ وهو مصدر من قول القائل : قد ضار فلان فلانا فهو يضير ضيرا ، ومعناه : لا ضرر . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : لا ضَيْرَ قال : يقول : لا يضرنا الذي تقول ، وإن صنعته بنا وصلبتنا . إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ يقول : إنا إلى ربنا راجعون ، وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتك إيانا ، وثباتنا على توحيده ، والبراءة من الكفر به . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا . . . إِلى مُوسى يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل السحرة : إنا نطمع : إنا نرجو أن يصفع لنا ربنا عن خطايانا التي سلفت منا قبل إيماننا به ، فلا يعاقبنا بها . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا قال : السحر والكفر الذي كانوا فيه . أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ يقول : لأن كنا أول من آمن بموسى وصدقه بما جاء به من توحيد الله وتكذيب فرعون في ادعائه الربوبية في دهرنا هذا وزماننا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله أَنْ كُنَّا